ابن قيم الجوزية
340
شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل
بإرادته ومحبته ورضاه . وأما من جعل فعل العبد مريدا محبا ، مؤثرا لما يفعله ، فكيف يقال إنه جبره عليه ، فهو سبحانه أجلّ وأعظم وأقدر من أن يجبر عبده ويكرهه على فعل يشاؤه منه ، بل إذا شاء من عبده أن يفعل فعلا ، جعله قادرا عليه مريدا له محبا مختارا لإيقاعه ، وهو أيضا قادر على أن يجعله فاعلا له باختياره ، مع كراهته له وبغضه ونفرته عنه . فكل ما يقع من العباد بإراداتهم ومشيئاتهم ، فهو سبحانه الذي جعلهم فاعلين له ، سواء أحبّوه أو أبغضوه وكرهوه ، وهو سبحانه لم يجبرهم في النوعين كما يجبر غيره من لا يقدر على جعله فاعلا بإرادته ومشيئته . نعم ! نحن لا ننكر استعمال لفظ الجبر فيما هو أعم من ذلك ، بحيث يتناول من قهر غيره ، وقدر على جعله فاعلا لما يشاء فعله ، وتاركا لما لا يشاء فعله ، فإنه سبحانه المحدث لإرادته له وقدرته عليه . قال محمد بن كعب القرظيّ في اسم الجبار : إنه سبحانه هو الذي جبر العباد على ما أراد . وفي الدعاء المعروف عن علي رضي اللّه عنه : اللهم داحي المدحوّات وبارئ المسموكات جبار القلوب على فطرتها شقيّها وسعيدها . فالجبر بهذا المعنى معناه القهر والقدرة ، وأنه سبحانه قادر على أن يفعل بعبده ما شاء ، وإذا شاء منه شيئا وقع ولا بدّ ، وإن لم يشأ لم يكن ، ليس كالعاجز الذي يشاء ما لا يكون ، ويكون ما لا يشاء ؛ والفرق بين هذا الجبر وجبر المخلوق لغيره من وجوه : أحدها : أنّ المخلوق لا قدرة له على جعل الغير مريدا للفعل محبا له ، والرب تعالى قادر على جعل عبده كذلك .